محمد جواد مغنية

43

في ظلال الصحيفة السجادية

الحكم الخالدة ، وتحديد الدّين ، والمتدين الحقّ . وأيضا اتخذوا من المناجاة وسيلة للتربية الفاضلة ، والتّوجيه إلى العمل من أجل حياة أفضل ، والتّحرر من كلّ ما يوجب التّخلف ، ويعاني منه الفرد ، والمجتمع ، بخاصة الفقر ، والجور ، وعبأوا الرّأي العام ضد حكام البغي ، والعدوان ، وأعوانهم ، وضد المستغلين ، وطغيانهم . وأوضحنا ذلك مفصلا عند شرح الكلمات الّتي تهدف إلى ذلك ، وتومىء إليه من قريب ، أو بعيد . وبعد ، فإنّ الصّحيفة السّجاديّة ليست أدعية وكفى ، بل ومدرسة المبدأ ، والعقيدة ، والصّبر ، والتّضحية ، والتّسامح ، والرّحمة ، والثّورة على الشّرّ ، والفساد بشتى ألوانه ، وأشكاله . . . إلى كلّ مكرمة ، وفضيلة . أمّا أسلوب الصّحيفة فمن الصّعب على أي كاتب أن يصفه على حقيقته ، أو يصف البعد الّذي يتركه في نفس القارئ والسّامع ، وبحسبي أن أقول : « إنّ أرواح الملائكة المقربين ، وأنبياء اللّه أجمعين تتجلى مجسدة في أدعية الإمام زين العابدين » . وأخيرا أشير أنّي انتهيت من التّنقيب ، والبحث طوال عشرات السّنين في آثار آل الرّسول صلّى اللّه عليه واله ، إلى الإيمان بأنّ اللّه سبحانه لا يقبل الدّعاء ، والطّلب - حتّى من المحقّ والمطيع - إلّا بأسلوب يليق بعظمته ، كالتذلّل ، والتّصاغر ، والاعتراف بالتّقصير ، وأنّ السّائل المتوسل لا يستحق شيئا على الإطلاق ، وإنّما يسترحم الرّحمن الرّحيم ، ويستغفر الجواد الحليم . ولا يصطدم هذا مع ما أوجبه سبحانه على رحمته ، وفضله من جزاء الإحسان بمثله . والحمد للّه حمدا يتقبله منا ، ويرضى به عنا مع الصّلاة على محمد وآله صلاة لا ينقطع مددها ، ولا ينتهي عددها .